اعلان هام : لقد أغلق باب التسجيل والمشاركة في هذا الموقع الذي يبقى فقط للتصفح..شاركونا بكتاباتكم وأفكاركم في الموقع الجديد للبدوي الأحمر على الرابط http://albadawyala7mar.com/vb/index.php

دخول

لقد نسيت كلمة السر



بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» عودة التنورة المزركشة
الجمعة سبتمبر 25, 2009 6:10 pm من طرف lorka200

» كشف الستار
الجمعة سبتمبر 25, 2009 5:16 pm من طرف lorka200

» mya137.....أبـ(سوريا)ـن.....ronel79...النور الوردي
الجمعة سبتمبر 18, 2009 8:13 pm من طرف lorka200

» إنها تمطر في سلميه
الجمعة سبتمبر 18, 2009 6:20 pm من طرف خياط السيدات

» إدلبي في الكاميرون
الجمعة سبتمبر 18, 2009 11:46 am من طرف خياط السيدات

» تقرير خاص عم توزيع الحصص التموينيه في سلميه( سلميه تساعد ابناءها )
الخميس سبتمبر 17, 2009 5:25 pm من طرف lorka200

» الثقافة و المثقفين
الخميس سبتمبر 17, 2009 4:12 pm من طرف اميمة

» سلميه ...تبدأ بمساعدة ابنائها
الخميس سبتمبر 17, 2009 1:06 am من طرف بوعلي

» أغبى فتاوى في الاسلام
الثلاثاء سبتمبر 15, 2009 2:55 pm من طرف mr.aadm


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

سيرة الحب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 سيرة الحب في الجمعة مايو 08, 2009 3:06 am

محمد1962

avatar
عضو
سيرة الحب- الجزء الأول
خطيب بدلة
(
1- تلميذ "نبيه" جداً!
من عجائب اللغة العربية أنها تنعتُ الناس أحياناً بما ليس فيهم، كالقول عن الشخص العاقل المغفل الشبيه بالأجدب إنه (مؤدب)، مع أن هذه الكلمة، نفسها، تُطلق على الشخص الفهيم، الموهوب، المثقف، المبدع، ذي الشخصية القوية المشاكسة،.. وشتان ما بين المعنيين!
وهذا- بظني- لم يأت من فراغ، أو نتيجة للمصادفة، أو قلة الانتباه، بل هو مقصود لذاته، فقد كان أجدادنا يسمون الطفل الوليد الغض الإهاب ذئباً ونمراً وكلباً وكليباً ونسراً وصقراً ومعاوية،.. بقصد أن يكون قوياً قادراً على مصارعة الظروف الخشنة في المستقبل. وأنا حذوت حذوهم فعمدت إلى تسمية كتابي هذا (سيرة الحب)، مع أنها في الحقيقة سيرة للفقر والبؤس والطفر ونكد العيش..، ولكنها، وعلى الرغم من كل شيء، عامرة بالحب، حب الحياة، ونشوة الانتصار على ظروفها الخشنة.
ومن هذه الملابسات، أيضاً، أن بعض الأهالي يطلقون على أبنائهم، من قبيل التفاؤل، أسماء من مثل (ذكي، وفهيم، ونبيه، ولماح)، وحين يكبر هؤلاء الأولاد قلما تنطبق معاني أسمائهم على شخصياتهم، مثلما حصل مع ابن حارتنا "نبيه"، الذي عاش حياة خالية من "النباهة" على نحو مرعب!
حينما بلغ "نبيه" السابعة، وهي السن التي كان الأولاد يدخلون فيها المدرسة، كان حجمه قد أصبح يتراوح بين حجم الجحش وحجم البعير، وكان مجايلوه يمشون بجواره، أو في ظله، فلا يظهر منهم لرائيهم القادم من الجهة الأخرى سوى الشيء القليل! وقد سمحت له إدارة المدرسة بارتكاب مجموعة من المخالفات انطلاقاً من القاعدة التي تقول بأن "الضرورات تبيع المحظورات"، من ذلك أنها لم تعترض على ارتدائه الجاروخ الديري ذي الإصبع بدلاً من الحذاء (الصباط)، لأن نمرة قدمه أكبر بكثير من النمر الولادية المتوفرة في الأسواق، وأما النمرة الرجالية التي تبدأ من الأربعين وتنتهي بالـ (46) فهي قطعاً غير مناسبة لقدم ولد في الصف الأول الابتدائي!
كان نبيه يأتي كل صباح إلى المدرسة حاملاً بفردتي جاروخه ما لا يحسب الحاسب من الطين الممتزج بروث البغال والحمير والكدش، مما يجعل آذن المدرسة أبا أيوب يرفع أصابعه إلى شعره لينتفه غيظاً من "نبيه" وجاروخه، ثم يعيدهما إلى الأسفل حينما يتذكر أنه أصلع، ويستعيض عن نتف الشعر بالسباب على حظه المشحر الذي جعل خدمته في هذه المدرسة التي تقع في حارة موحلة ومزبلة، وفيها، فوق هذا كله، تلميذٌ كريه اسمه "نبيه".
كما سمحت له الإدارة، بناء على اقتراح معلم الصف، أن يجلس في المقعد وحده، مع أن المتعارف عليه كان بأن يجلس كل ثلاثة أو أربعة تلاميذ في مقعد، وهذا السماح لم يكن بسبب حجمه الـ (إكسترا) فقط، بل لأن نبيه غدار بطبعه، ففي بداية العام الدراسي أجلسوا ثلاثة تلاميذ بجواره في المقعد، وكان يتظاهر بأن ذبابة لسعته على حين غرة في إصبع قدمه النابقة من فتحة الجاروخ، ويحركها بقوة كردة فعل غير مقصودة على لسعة الذبابة، فيصيب بها أرجل التلاميذ الجالسين بقربه، فيتدافعون ويخرجون من المقعد وهم يصرخون بالمقلوب بعد أن تنعقر أقدامُهم وقصباتُ سيقانهم، وبعضهم يغادرون المدرسة ولا يعودون إليها إلا مع أولياء أمورهم الذين يشترطون على الإدارة ألا تُجلسهم بجوار "نبيه" تحت طائلة ترك المدرسة (التبطيل).
وكان معلم الصف، الشيخ عبد الرحمن، قد أمضى السنوات التسع والخمسين من عمره، ومنها سبع وعشرون سنة في التعليم الابتدائي، وهو يحتفظ بقناعة راسخة مفادها أنه لا يوجد إنسان- مهما بلغ من الغباء- يستعصي على التعليم، إلى أن جاء يوم كان يعطي فيه للتلاميذ درس "الأناشيد". كتب على السبورة نص أنشودة "البلبل والقفص"، ورسم بجوار النص قفصاً جميلاً بداخله بلبل ملون، وبالمصادفة وقع بصره على "نبيه" فقال له معتقداً أن ذكاءه الفطري يتناسب طرداً مع حجمه الـ (إكسترا):
- اقرأ الأنشودة يا بني.
فصمت نبيه صمت أهل القبور. فقال الشيخ محاولاً تقريب المسألة من ذهنه:
- حسناً يا بني، انظر إلى الرسمة وقُلْ لي: ماذا فيها؟
فقال نبيه باندفاع: زنبيل ومجرفة أستاذ!
ووقتها تراجع الشيخ عبد الرحمن عن قناعته الأزلية القائلة بأنه لا يوجد أحد يستعصي على التعليم!

2 رد: سيرة الحب في الجمعة مايو 08, 2009 3:49 am

محمد1962

avatar
عضو
[size=16]- نبيه مصوراً بارعاً
كانت عملية تلقي العلم في مدارس هاتيك الأيام شبيهة جداً بعملية بيع الخضار والفواكه من الصنف الثالث في سوق الهال، ولها تسميات عديدة في مدننا المختلفة، إذ يسمونها البيع بـ (المطابشة)، أو (الكورجة) أو (الكوم)، أو (الدوكمه) أو (شيلة بيلة)،.. فبعض الآباء كانوا يرسلون أبناءهم إلى المدارس عامدين متعمدين، لأنهم يتنبؤون أن العلم سيكون له في القادم من الأيام شأن وأهمية، وهؤلاء قلة بالطبع، وبعضهم الآخر كانوا يرسلون أبناءهم إلى المدارس من باب التقليد، أو الغيرة والحسد، فيقول الواحد منهم لنفسه:
- فلان قَيَّد ابنه في المدرسة، وأنا بودي أقيد إبني في المدرسة، وما من أحد أحسن من أحد!
والبعض الثالث كان يرسل إلى المدارس عشرةَ الأولاد الذين بذرهم خلال السنوات الأولى من زواجه الميمون، معتقداً بصحة المثل القائل: (اضرب طينتك بالحائط فإذا لم تلتصق به فربما تركت أثراً عليه)، بمعنى أن الولد (هو ووجدانُه)، فإن تعلم كان بها، وإن لم يتعلم فإلى ستين جهنم وبئس المصير!
وأما الأغرب، والأنكى من هذا كله، فإن والدة بطل سيرتنا "نبيه"- الذي لم ير النباهة على الخريطة- هي التي اقترحت على والده إرساله إلى المدرسة، مع العلم بأنها لم تكن مؤمنة بالعلم وأهمية العلم، حاشا وكلا، ولكن ما حصل معها في يوم من أيام الخريف، هو الذي دفعها إلى هذا التصرف:
كان زوجها الذي يعمل بصفة قباني في سوق الهال عائداً من عمله، فوجد البيت قد قُلب فيه الفوقاني تحتانياً، وكأن دورية من الشرطة الجنائية (كبسته) على حين غرة وفتشته تفتيشاً دقيقاً، ووجد زوجته تلوح بإصابع يديها الإثنتين، وتولول، وتقول له:
- لله وللرسول! ما بقيت لي قدرة على تحمل نبيه، ألا ترى كيف قلب الفوقاني والتحتاني في البيت؟ يا رجل، أنت تعرفني، وتعرف كم أنا صبورة، وقبل أن يأتينا هذا المرفوس "نبيه" ربيت خمسة صبيان وأربع بنات، وكلهم كبروا وتزوجوا وفتحوا بيوتاً متل الصلاة على النبي، إلا هذا الشقي. من دون يمين طَفَّرني وشَوَّشَ عقلي.
وسحبته من يده إلى حيث توجد ديوانة كبيرة موضوعة بالعرض في مدخل المطبخ، وقالت له:
-أنت رجل، طولك وعرضك، هل تستطيع أن تشحط هذه الديوانة من غرفة الجلوس إلى هنا؟
قال: لا والله.
قالت: ابنك السيد نبيه شحطها. هل تعرف ما هو أحسن حل لهذا الولد؟
قال: ما هو؟
قالت: حطه في المدرسة، على الأقل أرتاح منه أربع خمس ساعات في اليوم!
وهذا ما كان بالنسبة لنبيه، سحبه أبوه من أذنه كما يُسحب الجدي المُساق إلى المسلخ، ودخل به إلى إدارة المدرسة وقال للمدير:
- قَيِّدوا لنا هذا الولد في دفاتركم!
فقيده المدير في الدفتر، وبذلك نزل العبء الثقيل عن كاهل أمه وأبيه، ليقع على كاهل إدارة المدرسة ومعلميها وطلابها وأذنتها!
وأصبح نبيه، اعتباراً من تلك اللحظة التاريخية، تلميذاً ظريفاً يضع كتبه ودفاتره وأقلامه في حقيبة مستطيلة مصنوعة من الخشب، ومقواة بصفيحة صفراء من التنك،.. وذات يوم خطرت له فكرة لا تخطر ببال أي شخص يمتلك ذرة من النباهة... ونفذها في الحال: أدار حقيبته التنكية نحو سلة الوسخ، وأفرغ محتوياتها من الكتب والدفاتر والأقلام في السلة، ثم وضعها على الأرض، وأتى بحجر كبير، وشرع يدقها- كما يفعل الحداد بقطعة الحديد المحمرة الخارجة تواً من الكير- ويطعجها، ويشوهها، حتى أصبحت ذات حدود جارحة من كافة الجهات، والتفت إلى زملائه وقال لهم وهو يلثغ بالأحرف الصافرة كعادته:
-هاي كاميرا تصوير، بودي أصوركم بها.
وطلب من أحد التلاميذ أن يقف ويدير وجهه إلى الكاميرا ويبتسم، وحينما نفذ التلميذ ما أمر به وهو مرعوب، ضربه نبيه بالحقيبة / الكاميرا ضربة واحدة أنشبت الدم من جبينه! فمضى وهو يصرخ بالمقلوب، وقال للزميل الآخر:
- تعال أنت الآخر، دعني آخذ لك صورة حلوة مثل رفيقك..
وما هي إلا لحظات حتى استنفرت المدرسة بطواقمها الإداري والتعليمي والخدمي لإسعاف التلاميذ الذين التقط لهم الطفل المعجزة نبيه صوراً فوتوغرافية بكاميرته العجيبة! وخرج المدير من الإدارة بعد أن علم بما يجري حاملاً بيده عصا غليظة، واتجه نحو "نبيه" الذي بادره رافعاً الحقيبة المدببة في الهواء، قائلاً:
- لحظة أستاذ، خلني آخذ لك صورة تذكارية!
واندفع نحوه، يريد أن يصل القول بالفعل ويلتقط له صورة تذكارية، فما كان من المدير إلا أن (شمع الخيط) هارباً إلى غرفة الإدارة، ودخلها بسرعة البرق، وأغلق الباب وراءه بالدرباس، واتصل من توه بمدير الناحية الذي بدوره أرسل شرطيين إلى المدرسة، ألقيا القبض على "نبيه" دون أن يتمكن من أخذ صورة تذكارية لهما! واحتجزاه في إحدى الغرف، وأرسل المدير أحد الأذنة إلى ولي أمر نبيه ليطلب منه أن يأتي إلى المدرسة لاستلام ابنه.. الموهوب في مجال التصوير الضوئي!


[/size]

3 رد: سيرة الحب في الجمعة مايو 08, 2009 3:50 am

محمد1962

avatar
عضو
[size=16]- مجنون رسمي
كانت حياة الناس في تلك الأيام عادية، وفقيرة، وبسيطة، وشبه خالية من التدخل الإنساني، فالرجل والمرأة المتزوجان حديثاً لا يعرفان شيئاً عن تنظيم الأسرة، ولا عن موانع الحمل، ولا عن التلقيح ضد الأمراض السارية والمستعصية، وكانت المرأة تلد، أو- كما كانوا يقولون- (تبظُّ) عدداً من الأولاد يتراوح بين (8 و 12) ولداً، والأب لا يهتم لمن يعيش منهم، أو مَن يعض على لسانه ويموت،.. فقد كان الطفل ينفخها إذا سخن أو برد أو عطس أو ضرط أو اصفرّ أو ازرقّ،.. وإذا سئل الأب عن تعليم الأحياء من أولاده فغالباً ما كان يُحرجه هذا السؤال، لأنه في الأساس لا يشتري تعليمهم بـ (نكلة)، فالصبي إذا لم يتعلم ينزل مع أبيه إلى الدكان أو إلى السوق، قبل أن يخط شارباه ويصبح صوته مثل صوت جاروشة البرغل، والبنت تتعلم الخياطة أو التطريز أو شغل (الكاناويشا)، قبل أن تذهب إلى قبرها الدنيوي، أي: بيت زوجها! وما هي إلا مدة وجيزة حتى تترك مهنتها وتتفرغ للواع ويع والفك والتحفيض والغسيل والجلي والحوسة!
وكانت السيدة أم أحمد، والدة التلميذ غير النبيه المسمى "نبيه"، قد ولدت أربعة عشر بطناً، سلم لها منهم خمسةُ صبيان وأربعُ بنات، عدا عن التسقيط (أي: الإجهاضات)،.. وبعد أن كسرت الدف وبطلت الرقص (كناية عن إقلاعها عن الحمل والولادة) فوجئت، وهي في الرابعة والأربعين من عمرها، بأنها حامل، وأثناء الولادة كاد الطفل الوليد "نبيه" أن يودي بحياتها، نظراً لضخامة جسمه، وبالأخص رأسه الشبيه بـ (قفة الصوالة)! وقد أدلى أحد أطباء ذلك الزمان برأيه في هذه المسألة، فقال:
- إن حمل المرأة فوق الأربعين يرفع نسبة الاحتمال بأن يأتي الولد مصاباً بآفة دماغية تجعله يعيش حياته وهو معتوه.
***
طوال الطريق بين البيت والمدرسة لم يدخل لسان أبي أحمد إلى حلقه وهو يبسمل ويحوقل ويلوم زوجته- غيابياً- قائلاً للآذن أبي أيوب، وهو مستمعه الوحيد في تلك الهنيهة، إن الرجل الذي يسمع كلام امرأته هو واحد من ثلاثة: إما أنه مجنون (رسمي) يمكن إدخاله إلى مستشفى الدويرينه شرقي حلب من دون استدعاء (عرضحال)، أو أنه مجنون ولم ينتبه لجنونه أحد ومُعَرَّض في كل لحظة لأن تأتيه دورية الشرطة وتلقي القبض عليه وتأخذه إلى الدويرينه! أو أن جنونه ما يزال في مرحلة (التنقير)، أي أنه يشبه الفواكه الباكورية التي (تنقّر)، أي تُنضج في البداية ثمرتين أو ثلاثاً في اليوم، ثم (يهجم) الموسم، بعد مرور شهر أو أقل من شهر!
دهش أبو أيوب من هذه السحبة الطويلة، وقال لأبي أحمد:
- صحيح أن إبنك نبيه ولد سرسري، وتعبان، وغليظ، وقليل ذوق، ويجعل الإنسان يعوف ثيابه ويخرج من جلده، ولكنني لم افهم السبب الذي يجعلك تحكي على المسكينة أختنا أم أحمد هكذا. أيش ذنبها هي؟
فقال أبو أحمد باندفاع:
- هي التي لعبت بعقلي مثلما يلعب الجَدي بعقل التيس، وجعلتني أقيد "نبيه" في المدرسة! يا رجل! أنا عندي خمسة ولاد كل واحد منهم يفتح العين من العمى، وما تركتُ أحداً منهم يعبر مجرد عبور قدام باب المدرسة، أصلاً أنا لا أطيق العلم ولا أطيق المدارس، بشرفك، هل يوجد رجل عاقل يقيد ولداً مهبولاً في المدرسة غيري أنا؟! الله وكيلك يا أبو أيوب ابني نبيه مجنون رسمي!
[/size]

4 رد: سيرة الحب في الأحد مايو 10, 2009 5:10 am

محمد1962

avatar
عضو
[size=16]ملاحظة: في الجزء الأول قدمنا ثلاث الحكايات الأولى من سيرة بطلنا نبيه وهنا نقدم ثلاث الحكايات التي تليها. صديقكم خطيب بدلة
4- نبيه يغادر المؤسسة التعليمية
كان المعلمون في تلك الأيام القديمة يتباهون بما يكنه لهم تلامذتهم من احترام وتبجيل، فالتلميذ إذا رأى أستاذه، مجرد رؤية، ضمن حدود سور المدرسة، سرعان ما (يُخَشِّب)- على حد تعبير الكاتب الفلسطيني الفذ إميل حبيبي- ويصاب بداء الرَجَّافة، وإذا ازداد سوء طالعه عن الحدود الوسطى وسأله الأستاذ سؤالاً ما، تراه يتأتىء ويفأفىء و(يُخَنِّق وينتّع) مثل موتور سيارة تمشي بالبنزين المغشوش!
وأما إذا كان التلميذ سارحاً، بعد دوامه، في ساحة الحارة، أو على البيدر، منخرطاً في لعبة الدحل، أو "الحَاح"ْ، أو "الهنكدار"، أو الحَجْلة، ورأى أستاذه قادماً من بعيد فإنه يترك كل شيء في مكانه ويعلِّق قدميه بأذنيه، ويجري دون أن يلتفت إلى الوراء حتى يصل البيت خائفاً، قلقاً، متوجساً مثل القط لاحس اللبن الرائب!.. وفي اليوم التالي، حينما يجلس على مقعد الدرس، يسعى جاهداً ألا تلتقي عيناه بعيني الأستاذ، خشية أن يجد فيهما شيئاً ما يحل الركبتين من اللوم والتوبيخ على ما رآه منه نهار الأمس!
هذا الكلام عن الحالة الاستبدادية التي كان يمارسها المعلمون على التلاميذ، وكانوا يسمونها، جرياً على عادة العرب في تسمية الأشياء بعكس دلالاتها: احتراماً وتبجيلاً، هو تقريباً ملخص ما قاله مدير المدرسة ومعلموها للسيد أبي أحمد والد الطفل المزعج "نبيه" حينما حضر إلى المدرسة بناء على طلب الإدارة.
.. وتابع المدير يقول له ما معناه إن ابنه نبيهاً لا يكتفي بأنه لا يحترم أساتذته، بل إن شخصيته تجاههم عدوانية شرسة، ولولا لطفُ الله لكان شجَّ رأسه شخصياً بحقيبته التنكية ذات الحواف المدببة!
وتدخل معلم الصف الأول، مقاطعاً كلام المدير، قائلاً باندفاع:
- لو أن الأمر وقف عند شج ابنك لرؤوس زملائه وجباههم بحقيبته التنكية لهان الأمر، ولاعتبرناها طفرة تحدث مرة في العمر ثم تُفْطَمُ لتصبح- كما يقولون في الكلام الدارج- فاطمة بنت فطوم! ولكن ابنك، الله يحفظه لك ولوالدته من شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد، ما انفك، منذ مطلع السنة الدراسية وحتى هذه اللحظة، يلكز أحد زملائه في صدغه، ويدغدغ خاصرتي آخر مسبباً له ضحكاً في غير أوانه، أو يدوس، بقدمه التي تشبه الشختورة، بغتة ودون سابق إنذار، على قدم زميل ثالث مما يجعله يصيح بالمقلوب،.. وأنا شخصياً ضبطته متلبساً بالجرم المشهود ذات مرة وهو يشد سبابته بإبهامه ويفلتها على صيوان أذن أحد زملائه من الخلف، فيطير صوابه! وفي مرة ثانية ضبطته وقد وضع قشرة برتقالة تحت قدم زميل له راكض في الممر، ثم أعطاه دفعة من الخلف، فتزحلق المسكين ووقع على بطنه وسبح على البلاط أكثر من عشرة أمتار، وقد غاب ذلك المسكين عن المدرسة أكثر من أسبوعين حتى شفيت رضوضه وكدماته، وضبطته في مرة ثالثة وقد اقتلع باب الصف وأسنده على الجدار في ممر الطابق الأرضي، ثم استوقف التلاميذ الخارجين من الصفوف المندفعين نحو الباحة لتمضية الفرصة، قائلاً لهم بأنه يريد أن يشرح لهم درساً في كيفية رعي الماعز، والضرب بالمقلاع، ودق الهبرة في جرن الكبة! وفي مرة رابعة ضبطته،..
توقف المعلم عن الشرح لحظة، ويبدو أنه وجد أن لا ضرورة للإكثار من الأمثلة، وأشار بيده عبر نافذة الإدارة إلى حيث توجد مجموعة من الحمير الشاردة تركض على البيدر وتابع يقول:
- هذا مع العلم بأنه لو كان بإمكان أي واحد من تلك الجحاش الداشرة الراكضة على البيدر أن يحصل شيئاً من العلم، لكان في إمكان ولدكم أن يحصل شيئاً من العلم، مثله!
قال أبو أحمد، المغلوب على أمره، وقد اكتشف في تلك اللحظة أن ابنه المهبول "نبيه" قد دخل مرحلة جديدة من حياته، وهي مرحلة المشاكل التي ستنعكس بقوة عليه وعلى باقي أسرته من الآن فصاعداً:
- طيب أستاذ، ممكن أعرف أين هو الآن؟
فطلب المدير من الآذن أن يذهب إلى الغرفة الأخرى ويطلب من الشرطيين اللذين يحتجزانه أن يُحضراه إلى الإدارة، فلما وصل ناول المدير إضبارة نبيه للعم أبي أحمد، وقال له:
- رح يا عمي! الله يجبر مصيبتك!
وفجأة التفت نبيه نحو المدير وقال له لاثغاً بالحروف الصافرة كعادته:
- قبلما نتيسر، تعال أستاذ، خليني أطق لك صورة تذكارية!


[/size]

5 رد: سيرة الحب في الأحد مايو 10, 2009 5:11 am

محمد1962

avatar
عضو
[size=16]- زيارة إلى مقام الشيخ علام الدين
كان الناس في تلك الأيام البعيدة يعتبرون كثرة الأولاد نعمة تُباس عليها اليد وجهاً وقفاً، وكانوا، بمجرد ما يتحول صوت ابنهم من شيء يشبه (نَعْوَصَة الجراء) إلى شيء يشبه صوت جرش البرغل، يوقنون أنه قد (نَقَّـرَ معه اللوزي)، أي: عبر من مرحلة الطفولة إلى مرحلة المراهقة.. ووقتها يهبون للبحث له، بأسرع ما يمكن، عن بنت حلال، ضمن مواصفات شبه موحدة لدى الجميع، وهي أن تكون: ابنة عائلة مستورة، وأمية لا تفك الحرف (فالمتعلمة برأيهم يمكن أن تكتب المكاتيب وترسلها لعشاقها!)، وطشمة، لا تفرق بين طه وأنطاكيه، وماكينة شغل، وغانمة، يعني حبالة جيابة..
وهذا ما كان من أمر العم أبي أحمد الذي تزوج وهو في سن السادسة عشرة، من ابنة عمه التي تصغره بسنة أو أقل من سنة، وأنجبت له، من دون فاصل منشط، خمسة صبيان وأربع بنات، (عدا الإجهاضات التي لا تدخل في الحساب).. وبعد سنوات قليلة شبشب الفتيان، وصاروا يربون شواربهم ويفتلونها إلى الأعلى، ويلبسون القنابيز العربية، ويلفون حول خصورهم الشالات العجمية، ويحملون بأيديهم السبحات من نوع (الكهرمان) ويمشون مع أبيهم، وحينما يدخلون ساحة الخضرة، على نسق، يبدو الأب، لصغر سنه، وكأنه واحد من رفاقهم، وليس أباهم!
وكان أن خطب أبو أحمد لأبنائه وزوجهم، واحداً بعد آخر، وفرح بهم، ودق لهم الطبول والزمور، وأمسك في رأسك الدبكة، وكذلك زوج البنات فاستقال من همهن،.. إلى أن جاءه ولد الغفلة المغضوب "نبيه"، فجعل آخر أيامه أشبه ما تكون بقفا الدست من فرط سوادها.
إذن، لقد طُرد "نبيه"، كما أسلفنا، من المدرسة، طرداً بائناً بينونة لا رجعة عنها، وسلمه المدير لأبي أحمد مع إضبارته، فمشى نحو البيت، محني الظهر، ومشى "نبيه" خلفه وهو يخب بالجزمة ذات الساقين الطويلين، ويدمدم بعبارات غير مترابطة، ولكنها تعبر عن لامبالاة قاتلة، فكأنه الفتى الذي أضاع جحشة خاله، إن وجدها يغني وإن لم يجدها يغني!..
وشرع أبو أحمد يفكر بطريقة يحفظ فيها ماء وجهه، فلا تنفضح كبرتُه بين الناس، ولكنه لم يصل إلى نتيجة، فلما كان في البيت لاحظت أم أحمد أنه منزعج ومتضايق، يتشاجر مع ذباب وجهه، فجلست قربه وشرعت تطيِّب خاطره، وتقترح عليه بعض الحلول لمشكلة ابنهما "نبيه"، وهو لا يرد، إلى أن خطرت لها فكرة جهنمية، وراحت تمسك ذقنه بيدها وتدير وجهه نحوها وتقول له:
- أرجوك أبو أحمد، اسمعني.. خطرت لي فكرة ستعجبك.
أخيراً قال: نعم؟ ما هي فكرتك؟
فأوضحت له أن حالة ابنهما نبيه، لا تحتاج إلى لف ودوران ومواربة، فهي حالة جنون أيسري، وأنها، أي الحالة، لم تأت من فراغ، بل هي، أكيد أكيد، ناجمة عن عين صيابة، و(كتبة) مكتوبة له بيد ابن حرام لا يخاف الله.. وعلى الرغم من خطورة الموقف فإن الحل موجود، وهو الذهاب إلى مزار الشيخ علام الدين.
قال أبو أحمد: مزار الشيخ علام الدين بعيد، وأنا ما عندي دواب لنركبها ونذهب إليه.
قالت: خذني بحلمك، ودعني أشرح لك الفكرة. يا سيدي، أهل الحارة، قصدي كل واحد من أهل الحارة، عنده "بلوة مكبرتة" متل ابننا نبيه وزيادة، لذلك قرروا أن يقوموا بزيارة جماعية إلى مزار الشيخ، وقد استكروا البوسطة التي تنقل الركاب إلى حلب، وسألوني إن كنا على استعداد لمرافقتهم، وأنا وافقت.
لو أن ما كان يجري في تلك الأيام يجري على زماننا، لكان لزاماً على أهالي المرضى الذين أخذوهم إلى مزار الشيخ علام الدين بقصد أن يبلوا ويشفوا أن يحملوا بعضهم في سيارات الإسعاف السريع، إلى أقسام العناية المشددة في المشافي العامة، ويرسلوا بعضهم الآخر، مثل صاحبنا "نبيه"، دونما توان، إلى جناح المجرمين الخطرين في مشفى الأمراض العقلية بالدويرينه، وأما المريض الميئوس من شفائه فيجدر بهم أن يتركوه في بيته ويديروه على القبلة، ويقرؤوا له ما يتيسر من قصار السور، حتى يموت على الإيمان، وبين أهله.
المهم، وصلت طلائع البوسطة التي تقل أهل الحارة إلى مزار الشيخ علام الدين مع غروب الشمس، تبركوا بالمزار، وسقوا المصابين من الماء القليل الذي يرشح من سقف المقام، ودهنوا أجسامهم بالماء، وناموا، عدا إثنين منهم، الأول هو صاحبنا وبطل سيرتنا "نبيه" الذي قام بجولة تفقدية على زوادات الطعام التي خبأها الزائرون لغداء اليوم التالي، أكل محتوياتها جميعاً، وجلس جانباً مثل الحية البالعة! والثاني مريض مسن أنهكه تزاحم العلل والأمراض فجلس يئن من دون انقطاع قائلاً: آخ يا خَيّ.
فجأة خطرت لنبيه فكرة رائعة نفذها في الحال، إذ أخذ ينتظر المريض حتى يقول: آخ يا خي آخ. فيرد عليه، لاثغاً بالحروف الصافرة كعادته:
- وقواص في زلعومتك!
- آخ يا خيي!
- ورصاص في صرصورة أذنك!
- آخ!
- وسلاخ يسلخ جلدك عن لحمك.
وهكذا حتى توقف المسن عن الأنين،... وبالطبع فإن صاحبنا نبيهاً لا يمتلك من النباهة ما يكفي ليعرف أن الرجل المسن قد مات!


[/size]

6 رد: سيرة الحب في الأحد مايو 10, 2009 5:13 am

محمد1962

avatar
عضو
[size=16]- الأم الصابرة
لو كان بالإمكان التعامل مع العواطف الإنسانية بالطريقة الحسابية لقلنا إن السيدة أم أحمد قد قسمت الحب الموجود في روحها إلى قسمين، الأول وزعته على أولادها التسعة الذين يزن عقل كل واحد منهم جبلاً، والثاني خصصته كله لـ "نبيه" الأهبل المجنون الشرس الذي لا تطاق صحبتُه، ولا تسر رؤيته، ولا يؤمَنُ المرورُ بجواره، فكانت لا تخاطبه، حينما يناديها ليطلب منها خدمة إلا بعبارة:
- نعم يا قلبي؟
- إئمور يا روحي،..
- الله لا يحرمني من نبيه وطلباته.
وكانت أم أحمد، في لحظة خروج "نبيه" من المدرسة، قد تجاوزت الخمسين من عمرها، وجسدها الذي كان نحيفاً قبل الزواج سمن، وترهل، وامتلأ بالهضاب والتلال، وأصبحت تمشي في البيت بصعوبة كسيارة محملة بأكثر مما هو مخصص لحمولتها.. ومع ذلك، فقد كان الجميع يندهشون من الخفة والرشاقة اللتين كانت تتمتع بهما حينما يطلب منها نبيه طلباً، كأن يقول لها:
- يام، جوعان بدي آكل.
فتهب واقفة، وتندفع باتجاه المطبخ وهي تقول:
- أنا موجودة هون وأنت تجوع؟ يخسا الجوع! الله تعالى، بجاه سيد المرسلين لا يجعل أحداً يقبرني ويلحدني ويكفنني بيديه غيرك يا نبيه!
وما هي إلا دقائق حتى تكون أم أحمد قد نقلت نصف محتويات النملية إلى أمامه، وهو بدوره لا ينتظر حتى تكتمل السفرة، بل يباشر المضغ والبلع مع قدوم أول صحن، ولدى ورود آخر صحن يكون (كل اللي بيننا انتهى والحب كان أوهام)!
وفي ذات يوم، كان نبيه جالساً، ممدداً ساقيه اللتين تنتهيان بقدمين مثل شختورتين، مسنداً يديه اللتين تشبهان مخباطَي الصَبَّاغ على الأرض، مرخياً براطيمه الأكبر من براطيم الجمل، وقال لأمه، لاثغاً كعادته بالحروف الصافرة:
- يام أنا مشتهي على أكلة سنبوسك وشيش برك.
فقالت أم أحمد:
- تكرم عينك يا قلبي، يا نظري.. قوم حبيبي، أنا لا أقدر على حمل السلم الخشبي، أحضره من غرفة الجلوس وأسنده على طرف السقيفة لكي أصعد وأحضر كمية من الطحين وأعمل لك سنبوسك.
نفذ "نبيه" ما طلبته منه أمه بسهولة ويسر، فقد اعتاد أن يحمل السلم الخشبي الضخم ذي الدرجات الثخينة بيد واحدة وكأنه حمالة مفاتيح!
صعدت أم أحمد إلى السقيفة، وفتحت الكيس الخاص بالطحين، وغرفت منه غرفتين وضعتهما في إناء نحاسي، وفتلت جسدها إلى الخلف تريد أن تنزل، فلم تجد السلم! كان نبيه قد حمله بسهولة كحمالة المفاتيح، وأسنده على الجدار المقابل.
ضحكت أم أحمد من أعماقها وقالت لنبيه:
- يوه، تقبرني ان شاء لله يا نبيه، كم أنت مرح ودمك خفيف، عن جد يا إبني، مزاحك حلو!
قال نبيه، بوجه ينقط سماً:
- هذا ما هو مزح، اقعدي على السقيفة وصيحي مواويل أحسن لك!
دهشت أم نبيه وهي ترى الجِد ينضح من وجه نبيه ولهجته، وقالت له بلهجة متوسلة:
- لا يا ابني، عيب. أنا أمك، امرأة كبيرة، ومريضة، هل يعقل أن تتركني محبوسة هنا على السقيفة؟ أنا بودي أطبخ لك سنبوسك وشيش برك، الم تقل إنك مشته السنبوسك والشيش برك؟
قال: لا أريد أن آكل أي شي، أنا رايح لألعب مع رفاقي على البيدر!
وفتح الباب وخرج.
بعد العصر، عاد أبو أحمد من البستان إلى البيت، وبعد أن ربط البغلين على مربطيهما، دخل إلى غرفة الجلوس، فسمع أنيناً خافتاً يأتي من الأعلى، عرف للتو أنه أنين أم الأولاد، فبسمـل وحوقـل وقـال:
- معقولة تكون أم أحمد فوق؟
وفي تلك اللحظة دخل نبيه، فسأله أبو أحمد عن أمه فقال له:
- هذه امرأتك على السقيفة، اطلاع وأنزلها لتحت. اربطها بالحبل فأنا لن أحمل السلم.
في لحظة واحدة فهم أبو أحمد ما جرى. نظر جانباً فوقعت عينه على "بنسة" من تلك التي يستخدمها ابنه الكبير أحمد في إصلاح مفاتيح الكهرباء، فتحها وأمسك بها أذن نبيه، وسحبه بها إلى الجدار المقابل، حيث السلم مسند عليه! وقال له:
- احمل السلم وضعه على حافة السقيفة.
فنفذ "نبيه" الأمر، وأثناء ذلك ما انفك يقول:
- اسمع مني، اتركها على السقيفة، خليها تصيح مواويل
[/size]

7 رد: سيرة الحب في الأحد مايو 17, 2009 7:05 am

محمد1962

avatar
عضو
[size=16] - بطل التراجيكوميديا
اطلع صديق لي يدعى (أبو الجود) على الفصول التسعة السابقة من "سيرة الحب"، وهو يعرف بطلنا "نبيه" حق المعرفة، ذكرني بميدان يلعب فيه "نبيه" دور البطولة دون أن يقصد ذلك أو يعيه، إنه مجال التراجيكوميديا. وقال لي موضحاً:
- إن إيمان أهل بلدنا بالله تعالى قوي لا يتزعزع، ولا يوجد لدى أي منهم شك بأن من سُطر في لوحه أنه سيموت في الستين من عمره يستحيل أن يموت في التاسعة والخمسين، ولولا هذا الإيمانُ القوي لخرجوا بنتيجة حاسمة مفادها أن أبا أحمد قد انقصف عمرُه ومات غيظاً وطقيقاً من تصرفات ابنه "نبيه" الجنونية!
وأبو أحمد، كما تعلم، إنسان طيب ومحبوب، وفي حياته كلها لم يؤذ نملة، لذلك فقد اجتمع في داره إثر وفاته رجال كثيرون، جلسوا يترحمون عليه، ويذكرون محاسنه، ويقرؤون له بعض الأجزاء من القرآن الكريم، وكانوا قد أخرجوا "نبيه" من سجنه إكراماً لروح أبيه، وكان يجلس صامتاً يجيل بصره بين الحاضرين بغباء شديد، وفجأة وقف وفتح "الكتبية" وأخرج منها أحد أجزاء كتاب "سيرة الملك الظاهر"، وأمسكه بالمقلوب وقال للحاضرين:
- أنا أيضاً أريد أقرا لأبي سورة: بسم الله الرحمن الرحيم، ياسين والقرآن العظيم، ولا الضالين آمين. (والتفت إلى زميله في الشقاوة والتشرد سمعو وهو يقول).. يلعن شكلك يا سمعو، يلعن شكلك بإجري!
فترك الناس ما في أيديهم واستلقوا على أقفيتهم من شدة الضحك!
وقال لي أبو الجود:
يوم كان نبيه مسجوناً في تلك الغرفة المطلة على الزقاق من دار أبيه، مررت به فوجدته يمط رأسه من النافذة نحو الزقاق، وما إن لمحني حتى صاح بي:
- على بالي يا أبو الجود أن أضربك كفين، ولكنني الآن مشغول!
فقلت له وأنا مطمئن إلى ثخانة جدران غرفته التي سجنوه فيها:
- على راحتك سيد "نبيه"، بمجرد ما تجد لديك وقتاً فارغاً ابعث إلي خبراً كي آتي إليك وتضربني كفين!
وقد بقي سجين تلك الغرفة حتى مات.
(وطويت صفحاته)-
[/size]

8 رد: سيرة الحب في الأحد يونيو 07, 2009 8:48 am

محمد1962

avatar
عضو
[size=16]- عودة إلى البدايات

عاش بطل سيرتنا (جواد)، الذي اصطلحنا على تسميته (أبو الجود) في كنف أبيه مدة قصيرة، وبالتحديد حتى أصبح عمره سبعَ عشرة سنة، ووقتها، عض الأب على لسانه قائلاً له:

- باي باي يا سيد جواد، انتبه لأخواتك المريضات وعمتك "نورا" المكرسحة التي يفترض أنها لا تعيش في بيتنا وإنما في جناح العناية المركزة في أحدث المستشفيات!

كان الأب فلاحاً بسيطاً، وكلنا يعرف أن حياة الفلاح فقيرة تعتمد على كثرة المطر وقلة الصقيع وانعدام الحشرات والآفات، ومع ذلك كان يعيل هذه الأسرة التعيسة بجَلَد وفم ساكت، وحينما شب ابنه الوحيد "جواد" وبدأ عوده يقسى ويتمعظم، شرع يعتمد عليه في العمل.

وكان للأب ابن خال اسمه فارس غادر إدلب قبل نحو ثلاثين سنة وتزوج من امرأة حلبية غنية غيرته وجعلته يعيش معها في "منتزه السبيل" بحلب عيشة أرستقراطية باذخة، وكانت علاقته به جيدة وقوية قبل ذلك، ولكنها أصبحت مُحْرِجة للطرفين بعد التحولات التي طرأت على حياة فارس.

وفي ذات يوم، سمعت أسرةُ أبي جواد زمور سيارة آتياً من بعد مئتي متر، لأن الحارة التي يسكنونها لا تستطيع أية سيارة دخولها، وبعد بضع دقائق سمعوا وقع أقدام في الزقاق، ثم طُرق الباب بطريقة فيها الكثير الموانة ورفع الكلفة، وحينما فتح جواد الباب دخل فارس وزوجته وولداه الأنيقان المرتبان وابنتاه الجميلتان اللتان تخرجان سافرتين كأمهما، بل وبثياب قليلة الاحتشام، وبدأت المصافحة والتبويس، وأهلين بابن العمة، وأهلين ببنت الخال، وأهلين حجة نورا، والضيوف كلهم، رجالاً ونساء سلموا على جواد بحفاوة، وقبلوا وجنتيه، ثم أعلنوا أنهم جاؤوا إلى إدلب بالصدفة، فطريق حلب اللاذقية (في تلك الأيام) كان يمر بها.

قال فارس:

- علينا أن نوضح لكم أننا سنبقى في ضيافتكم حتى الساعة الرابعة بعد الظهر، ثم نتابع إلى اللاذقية.

قال أبو جواد: عال! يعني نتغدى معاً، وتغادروننا بالسلامة.

قال فارس: لا بأس، ولكن انتبه، نحن لا نريد أن نثقل عليك، يعني لا داعي لأن تحضروا لنا مئة شكل ومئة لون، يكفي قليل من صفايح اللحم بعجين، وقليل من الشعيبيات الإدلبية بالقيمق، واعطسْ يرحمْك الله!

ضحك أبو جواد ضحكة صفراوية لا يمكن للشخص النبيه إلا أن يلاحظها، وقال لابن خاله فارس المتمدن حديثاً:

- تكرم عينك يا ابن خالي، هذا أهون ما طلبتم!

ثم غمز بعينه لجواد أن يأتي إليه، فلما أصبحت أذن جواد مقابل فمه، قال له:

- اسمع ما سأقوله لك ولا تقاطعني، ولا تتلفت، ولا ترفرف بعينك أثناء حديثي. أنت تعرف (أبا عبدو الفيلوني)، داره في آخر الزابوق. إنه رجل طماع يستطيع أن يعلِّق على الزجاج من دون صمغ، ويحصِّلُ من وجه الأمرد شعرة! البارحة، بعد صلاة الصبح رآني راكباً على جحشنا، فضربه بنظرة حسد كاد أن يقتله بها، وعرض علي أن أبيعه له. ومع أن جحشنا لا يسوى أكثر من أربع ليرات قال لي إنه مستعد أن يشتريه بأربع ليرات وربع. المطلوب منك الآن أن تدخل إلى الزريبة، وتفك رسن الجحش وتأخذه إليه،.. واقبض منه أربع ليرات وربع، وإذا (عصلج) لا بأس أن تسامحه بالربع ليرة، واذهب على الفور إلى السوق، وأوص لنا على رطل صفايح باللحم والعجين، مع اللبن والخبز والبصل ودبس الرمان، وأوص عمك أبا وليد العاشور على صدر شعيبيات يلعب عليه الخيال، ولا تعد إلى هنا إلا وكل هذه الأشياء معك.

نفذ جواد أوامر أبيه بحذافيرها دون تردد أو تذمر، وأكل الضيوف ما حضر من الطعام بتلذذ ومرح، ثم غادروا غير مبالين بشيء.

بعد مضي أكثر من أربعين سنة على هذه الحادثة، وحينما رواها لي أبو الجود سألته عن العبرة من ورائها، فضحك حتى كاد أن ينقلب على قفاه وقال لي:

- العبرة أن أبي قبل أن يأتي هؤلاء الضيوف الأشاوس كان قد وزع العمل بيني وبين الجحش بالعدل والقسطاط، ولك أن تتخيل ما جرى لي بعد أن بعنا الجحش!




[/size]

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى